الرحلة مع العربية
في صباح هادئ، كنت أجلس في ساحة معهد نور الحكيم، ممسكًا بكتاب صغير يحمل عنوان (الآجرومية)، لم أكن حينها أدرك أن هذا الكتاب سيكون بوابتي إلى عالم شاسع من الجمال والمعرفة.
كنت فتى صغيرًا في المرحلة المتوسطة، تتوق روحه لاكتشاف شيء جديد، لكن الحروف العربية آنذاك كانت تبدو كأنها ألغاز مستعصية. كنت أستمع إلى أستاذي، الأستاذ صفيان هادي -حفظه الله تعالى-، وهو يشرح قواعد النحو بحماس، وكانت كلماته تنبض بالحياة، كأنها دعوة لي لاقتحام هذا العالم الساحر.
لم تكن البداية سهلة، بل كانت مليئة بالصعوبات. كيف أفرق بين الضاد والظاء؟ كيف أميز بين المعاني الدقيقة للكلمات؟ كنت أتعثر كثيرًا، لكن أستاذي كان دائمًا يبتسم ويشجعني قائلًا: "العربية ليست لغة فحسب، إنها جسر لفهم كتاب الله، ونافذة تطل على حضارة عظيمة." كانت تلك الكلمات تزرع في قلبي شغفًا يدفعني للاستمرار، رغم كل التعثرات.
مع مرور الوقت، بدأت أفهم القواعد شيئًا فشيئًا، وبدأت أحب هذه اللغة أكثر مع كل درس. كنت أستيقظ قبل شروق الشمس لأراجع دروسي، وأخط على دفتر صغير كل كلمة جديدة أتعلمها. كنت أبحث عن جمال الحروف في كل نص أقرأه، وكأنني أبحث عن كنز مخفي.
بعد سنوات من الاجتهاد، قادتني رحلتي إلى جامعة الراية بسوكابومي. هناك، شعرت أنني أقترب خطوة من تحقيق حلمي. لم تعد العربية مجرد كلمات وقواعد، بل أصبحت لغة تعبر عن الفكر والإبداع. تعرفت على نصوص أدبية رائعة، وبدأت أقرأ الشعر العربي لأول مرة. كنت أقرأ أشعار المتنبي وأشعر أن كلماته تلامس قلبي، وكأنه يحدثني شخصيًا عن الطموح والإرادة.
لكن الرحلة لم تقف عند هذا الحد. التحقت بعد ذلك بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية في جاكرتا، وكانت هذه المرحلة نقطة تحول حقيقية في حياتي. هنا تعلمت أن تعليم اللغة العربية ليس مجرد مهنة، بل هو رسالة سامية. لم أتعلم فقط كيف أفهم النصوص، بل كيف أوصل هذا الفهم للآخرين. أصبحت العربية بالنسبة لي وسيلة لبناء الجسور مع الآخرين، خاصة أولئك الذين لا يتحدثون بها كلغتهم الأم. كنت أرى في عيون زملائي من جنسيات مختلفة حبًا صادقًا لتعلم هذه اللغة، مما زاد من إصراري على أن أكون جزءًا من رحلتهم.
في جاكرتا، تعلمت أيضًا أن العربية ليست لغة ماضٍ فحسب، بل هي لغة حاضر ومستقبل. كنت أغوص في أعماق النصوص القرآنية، وأتأمل معانيها، وأشعر بقوة ارتباطها بالحياة اليومية. لم يكن الأمر مجرد دراسة أكاديمية، بل رحلة إيمانية وروحية جعلتني أقترب من الله أكثر.
اليوم، بعد سنوات من التعلم والسعي، أقف في قاعة التدريس بمؤسسة كوبا، أنظر إلى طلابي الصغار وأرى في وجوههم انعكاسًا لبدايتي. أبدأ كل درس بآية أو حديث، محاولًا أن أفتح لهم أبواب جمال اللغة كما فُتحت لي من قبل. أحكي لهم قصصًا عن المتنبي والجاحظ، وأريهم كيف يمكن للعربية أن تكون نافذة لفهم العالم.
تعليمي للعربية ليس مجرد وظيفة بالنسبة لي، بل هو امتداد لحلم قديم بدأ في معهد نور الحكيم. كل كلمة أشرحها، وكل قاعدة أفسرها، أشعر أنني أكتب فصلًا جديدًا في قصة عشقي لهذه اللغة. أرى طلابي وهم يتعلمون شيئًا جديدًا، وأشعر أنني أسهمت في بناء جيل يحمل شعلة العربية.
رحلتي مع العربية علمتني الكثير: الصبر، الإصرار، والشغف الذي لا ينتهي. هذه اللغة ليست مجرد وسيلة للتواصل، بل هي روح وحضارة تنبض بالحياة. وكل يوم جديد أقضيه مع طلابي هو بداية فصل جديد في قصة حب لا تنتهي مع لغة الضاد.